الأزمة العالمية تمثل فرصة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية

UN’s Millennium Development

نظمت الجمعية العامة للأمم المتحدة “نقاشًا رفيع المستوى حول حالة الاقتصاد العالمي” وذلك في مقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، مبنى “نورث لون” في ولاية نيويورك في الفترة بين 17 إلى 18 مايو 2012. وقد شارك السيد/ ر. سيتارامان، الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة، في جلسة المائدة المستديرة الرابعة تحت عنوان “زيادة الاستقرار والقدرة على التنبؤ والشفافية في القطاع المالي” بتاريخ 18 مايو 2012.

وقد سلط السيد/ ر. سيتارامان الضوء على الأسباب الرئيسية وراء الأزمة والمجالات التي تتطلب اهتمامًا على المستوى التنظيمي وعلى مستوى سياسات الاقتصاد الكلي، وقال سيادته: “لم يكن المنظمون الماليون مستعدون بما يكفي لملاحظة تركزات المخاطر وإدراك الحوافز المعيبة وراء الازدهار الذي شهده الابتكار في الأدوات المالية. فلم تستطع الضوابط السوقية أو اللوائح التنظيمية احتواء المخاطر الناتجة عن التسرع في الابتكار وزيادة الرافعة المالية، والتي تم بناؤها على مدار أربع سنوات. وفشل صناع السياسات في الأخذ في حسبانهم عوامل الخلل المتزايدة على مستوى الاقتصاد الكلي والتي ساهمت في إحداث مخاطر نظامية في النظام المالي وأسواق العقارات السكنية. وقد كان المراقبون الماليون مشغولين بالقطاع المصرفي الرسمي، ولم يلتفتوا إلى المخاطر التي تتراكم في الظل في النظام المالي. وتتضمن المجالات التي كانت تتطلب اهتمامًا أكبر على المستوى التنظيمي نطاق التنظيم، وضوابط السوق، والفجوات المعلوماتية، وتوفر السيولة على مستوى النظام المالي ككل. أما بالنسبة للمجالات التي كانت تتطلب اهتمامًا على مستوى سياسات الاقتصاد الكلي فتتمثل في آليات تجاوب السياسة النقدية مع المخاطر النظامية، واستحداث سياسات مالية قوية، وتنظيم تدفقات رأس المال الدولية، ومراجعة وتعديل السياسات المالية والنقدية. والأزمة الأوروبية الحالية ما هي إلا مثال واضح على التعارض بين السياسات النقدية والمالية”.

هذا وقد أشار السيد/ ر. سيتارامان إلى الإصلاحات التنظيمية التي جاءت كاستجابة للأزمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي فقال: “تولت مجموعة الدول العشرين الكبرى مسألة إعادة النظر في الإصلاحات الاقتصادية على مستوى العالم بصورة فعّالة استجابةً للأزمة وذلك بالتنسيق مع مجلس الاستقرار المالي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التسويات الدولية، حيث شهدنا في الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق إصلاحات تنظيمية متماشية مع ما أفرزته الأزمة عبر قانون إصلاح وول ستريت وحماية المستهلك المعروف بـ قانون “دود – فرانك”. وفي نفس السياق طٌبق قانون “فولكر” بموجب هذه التشريعات سعياً إلى الحد من تداول الممتلكات. ومن جهتها اقترحت لجنة البورصات والأوراق المالية الأمريكية تطبيق قوانين إفصاح أكثر صرامة بخصوص الصناديق التحوطية وشركات الأسهم الخاصة. ويعمل كل من مجلس الاستقرار المالي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التسويات الدولية على وضع إطار عمل لسياسة تحفظية كلية تتضمن أدوات تسهم في التخفيف من الأثر الذي تتسبب فيه تدفقات رأس المال الكبيرة. ومن بين الأمور التي تحتاج إلى المراجعة في ظل الأزمة الحالية إطار عمل سياسات المؤسسات المالية النظامية، والتنظيم والإشراف على كيانات نظام الظل المصرفي، وممارسات المخاطر المطبقة على المنتجات المهيكلة. بالإضافة إلى ذلك دعونا لا ننسى أنه سيتم تطبيق اتفاقية بازل 3″.

كما ربط السيد/ ر. سيتارمان بين أهداف الأمم المتحدة الإنمائية للألفية الحالية والإصلاحات التنظيمية والتنمية الاقتصادية، فقال بهذا الخصوص: “إن عملية إعادة التنظيم الحالية للبنية العالمية ستدعم تحقيق أحد أهداف الأمم المتحدة الإنمائية الثمانية للألفية الحالية والمتمثل في (تطوير شراكة عالمية نحو التنمية) حيث يسعى هذا الهدف إلى تطوير نظام تجاري ومالي منفتح ومستند على التشريعات وغير تمييزي يمكن عبره التكهن بمجريات الأمور، فالاقتصاديات بحاجة إلى دمج مبادئ التنمية المستدامة في سياساتها وبرامجها وبالتالي إيقاف الخسائر التي تتكبدها في مواردها البيئية. وعلى هذا الأساس ستتمكن تلك الاقتصاديات أيضاً من تحقيق هدف الأمم المتحدة الإنمائي للألفية الحالية المتمثل في (ضمان الاستدامة البيئية). ويضاف إلى ذلك أنه بإمكان القطاع المالي أيضاً المساهمة في التنمية المستدامة عبر اتخاذ المبادرات التي تسعى إلى (إدارة تغير المناخ والتخفيف من ظاهرة الاحتباس العالمي). وبهذا الشأن أود الإشارة إلى أن دولة قطر قد اعتبرت التنمية البيئية من إحدى ركائز رؤيتها الوطنية للعام 2030”.

من ناحية أخرى، تناول السيد/ ر. سيتارمان توجهات كل من الاستثمارات الأجنبية وأسواق العملات قائلاً: “لقد ارتفعت وتيرة التدفقات الصادرة للاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم ووصلت إلى ذروتها في العام 2011 حيث بلغت نسبتها 16% محققةً 1.66 ترليون دولار أمريكي ومتخطية بذلك المستويات التي وصلت إليها في الفترة التي سبقت الأزمة. وتتطلب تدفقات الاستثمارات العالمية وضوحاً في المعايير العالمية المتعلقة بقياس تقييم الاستثمارات. ويجب تطبيق المبادئ المحاسبية الموحدة لتسهيل عملية المقارنة. كما يجب أيضاً تقوية آليات الحد من المخاطر وأدوات القياس الأخرى المتعلقة بتوريق الأصول بهدف حماية مصالح المستثمرين. ولقد زادت تدفقات رؤوس الأموال الواردة إلى الدول النامية أيضاً نظراً إلى تطبيق إجراءات ضخ السيولة من قبل الاقتصاديات المتقدمة في أعقاب الأزمة المالية. ولقد شجعت الإجراءات الأخيرة التي قام بتطبيقها البنك المركزي الياباني والبنك المركزي السويسري لكبح ارتفاع قيمة عملتهما العديد من الكيانات الاقتصادية الأخرى على إتباع نفس الإجراءات وهو الأمر الذي نتج عنه الدخول في حرب عملات وحرب تجارية.”

وفي تعليقه على الاتجاهات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي قال السيد/ ر. سيتارامان: “لقد كشف تحليل “نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات” الذي أجري على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي عن وجود العديد من الفرص في مجالات البنية التحتية وقطاع الطاقة غير المتجددة. وتشمل مبررات اللجوء إلى التنوع الاقتصادي على دعم النمو الاقتصادي، وتعزيز قطاع النفط والغاز، وإيجاد الوظائف، وجعل الاقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، وتحسين البنية التحتية، ودعم الجهود لمكافحة التغيرات المناخية. وعبر قياداتها الحكيمة وخططها الطويلة الأجل، شجعت الاقتصاديات الخليجية على تحقيق الاستقرار والشفافية في التنمية الاقتصادية لها”.

وبالنسبة إلى الرؤية المتعلقة باقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، والسياسات المالية والاستراتيجيات طويلة المدى، فقد أشار السيد/ ر. سيتارامان إلى توقعاته في هذا الشأن حيث قال: “لقد تم تحقيق رؤية المملكة العربية السعودية للعام 2020 بصورة جيدة من خلال تنويع الاقتصاد والتحول إلى القطاعات الإنتاجية وقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم. وسيساعد تنوع النمو في القطاعات الاقتصادية الأخرى على تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة.”

وتُخصص الخطة الخمسية التاسعة للتنمية في المملكة العربية السعودية (2009-2014) ما يزيد عن 50% من ميزانيتها لتنمية الموارد البشرية. وتهدف الرؤية الوطنية العمانية 2020 إلى تخفيض مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 10% وزيادة مساهمة الغاز الطبيعي والصناعة إلى أكثر من 10% و20% على التوالي. ومن المتوقع أن تصبح سلطنة عمان من الدول غير المعتمدة على النفط، حيث أنها تتخذ العديد من التدابير لإحداث تنويع في القطاعات الخدمية والصناعية والمالية. أما رؤية أبو ظبي الاقتصادية 2030 فتركز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير البنية التحتية، والاستدامة البيئية، وتهدف إلى خلق مجتمع آمن واقتصاد حيوي مفتوح. وتتبنى دبي حالياً خطة رئيسية للتنمية الحضارية والتي من المتوقع أن توفر حوالي 950,000 فرصة عمل بحلول عام 2020. وستصبح منطقة جبل علي واحدة من المناطق التي ستشهد نمواً هائلاً في الفترة القادمة. وتعتزم الكويت زيادة الإنفاق الحكومي في ميزانية 2012-2013 بنسبة 13.4% لتصل إلى 79 مليار دولار أمريكي”.

وتحدث السيد/ ر. سيتارامان عن رؤيته المستقبلية حول استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر قائلاً: “تمهد استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر (2011-2016) الطريق نحو تحقيق أهداف رؤية قطر الوطنية 2030. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر في 2012-2016 حوالي 6.9% فيما يتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي من النفط والغاز إلى 4.4% بينما يصل إلى 9.1% من الصناعات غير النفطية. ومن المتوقع أن يكون قطاع الخدمات أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد القطري. ومن الممكن أن تصل نسبة الاستثمارات الخاصة غير النفطية بالنسبة إلى الناتج الإجمالي المحلي إلى 15% بحلول العام 2016 وهي تقريباً ضعف النسبة المحققة في عام 2009”.

واختتم السيد/ سيتارامان حديثه قائلاً: “تعد الأزمة العالمية فرصة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي أعلنت عنها الأمم المتحدة”.