الأزمة الحالية هي أزمة اجتماعية وليست أزمة مالية فقط ويجب السعي إلى خلق حوكمة عالمية تقوم على الأخلاق

CEO Leadership Series

شارك السيد/ ر. سيتارامان، الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة، في منتدى القيادة للرؤساء التنفيذيين الذي نظمته كلية واشنطن كوليج في مدينة شيستر تاون – ولاية ميريلاند الأمريكية بتاريخ الثامن من فبراير 2012. وتحدث سيادته حول “النظام العالمي الجديد والفرص المتاحة – التعاون المشترك بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مجالات التجارة والاستثمار والخدمات المصرفية والمالية”. وقد سلط السيد/ سيتارامان في كلمته الضوء على مدى تأثير الأزمة العالمية الحالية على الاقتصاديات العالمية وحياة الإنسان، وقال سيادته: “الأزمة الحالية ليست أزمة مالية فقط، بل هي أزمة اجتماعية أيضًا. ونتيجة للابتكار في المجال المالي، فقد ظهرت نماذج أعمال جديدة للبنوك، وأدت بدورها إلى تغيير الأسس الاقتصادية للأعمال المصرفية، حيث أدت الأدوات المالية الجديدة إلى تحويل مخاطر الائتمان بعيدًا عن منشئي القروض. بالإضافة إلى ذلك، فقد أسفرت عمليات التوريق أيضًا عن تغيير طبيعة المخاطر، إذ أدت بوجه خاص إلى تحويل مخاطر الائتمان إلى مخاطر سيولة، ثم إلى مخاطر تمويل، ثم في نهاية المطاف إلى مخاطر تتعلق بالملاءة والقدرة المالية”.

وقد أبدى السيد/ سيتارامان وجهة نظره حول المشهد الاقتصادي العالمي الحالي، وقال في هذا الصدد: “وفقاً للتقديرات الأخيرة التي أعلن عنها صندوق النقد الدولي، فمن المتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نموًا بنسبة 3.3% فقط في عام 2012. وقد أدى انحراف السياسات النقدية والمالية إلى الأزمة الأوروبية الراهنة. كما شهدنا خلال العام الماضي تجريد كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا من التصنيف الائتماني المتميز (AAA) الذي كانت تحتفظ به الدولتان. وسوف يشهد النظام العالمي الجديد مساهمة الاقتصاديات الناشئة في دفع وقيادة النمو في الاقتصاد العالمي. وسوف يساهم هذا التغير الحاصل في الهيكل الاقتصادي العالمي في تحقيق أحد أهم أهداف الألفية وهو “التطور نحو نظام تجاري ومالي مفتوح وتحكمه القواعد وقابل للتنبؤ وخالي من التمييز”. ويجب الانتباه إلى تزايد مخاطر الكساد في المشهد الاقتصادي العالمي الحالي، ويجب على الاقتصاديات العالمية تخفيض نسبة الرفع المالي والمديونيات، إذ يوجد لدى الاقتصاديات المالية، ولا سيما الدول الصناعية السبع الكبرى، ديون ضخمة، ويجب على تلك الدول أن تحتفظ بنظام مالي منضبط ومحكوم من أجل الخروج من هذه الأزمة. كما يجب أيضًا على الاقتصاديات المالية السعي بصورة جدية للتحول إلى اقتصاديات حقيقية. أما بالنسبة إلى الاقتصاديات الناشئة والنامية، فيجب أن تركز سياساتها على المدى القريب على كيفية التعامل مع النمو البسيط في الناتج المحلي وتراجع الطلب الخارجي، ولا سيما من الاقتصاديات المتقدمة”.

وأكد السيد/ سيتارامان خلال كلمته على أهمية دور الولايات المتحدة الأمريكية في المشهد الاقتصادي العالمي، وقال: “تُظهر البيانات الأخيرة تراجع نسبة البطالة في الولايات المتحدة إلى 8.3%، وبإضافة ذلك إلى النمو الذي سجلته مؤخرًا في التصنيع والتحسن في ثقة المستهلكين، فيمكننا القول إن فرص التعافي في الولايات المتحدة قد تحسنت كثيرًا. ومع ذلك، فلا يجب التغافل عن المخاطر التي أعلن عنها البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ومن المتوقع أن تحقق التجارة الأمريكية نموًا بقيمة 4.4 تريليون دولار أمريكي، أي بنسبة نمو تصل إلى 62.3%، وذلك خلال السنوات الخمسة عشر القادمة، مع استمرار الطلب على السلع على المدى البعيد وزيادة التنافس. كما أنه من المتوقع أن ينمو حجم التجارة العالمية بنسبة 73% بحلول عام 2025. ومن المتوقع أن تظل الصين هي أهم شريك تجاري للولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 2025 على الأقل. ويعد اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية هو الاقتصاد الأكثر تحررًا في العالم، ومن المتوقع أن تكون التجارة الخارجية والاستثمار المباشر من أهم العوامل الإيجابية في اقتصاد كل من الولايات المتحدة ودول الخليج”.

وقد تطرق السيد/ ر. سيتارامان بعد ذلك إلى أهم التوجهات التي تشكل الصناعة المصرفية على مستوى العالم: “لقد أدت التطورات المختلفة في مجالي الأعمال والتكنولوجيا إلى خلق مشهد تنافسي جديد في العالم. وتتضمن أهم التوجهات المتغيرة في مجال الأعمال خلق عالم أكثر سلاسة، وهياكل جديدة للتكلفة، وإنتاجية أفضل. أما التوجهات المتغيرة في مجال التكنولوجيا فتتضمن ظهور قنوات توزيع جديدة عبر الإنترنت، وزيادة وتيرة التغيير في التكنولوجيا، وزيادة نسبة الإسناد الخارجي للعمليات. ويوفر المشهد التنافسي الجديد استغلالاً أفضل للقدرات الإنتاجية، وتخفيض تكلفة معالجة العمليات، وزيادة المرونة للتجاوب مع التغيرات، وتوفير قيم مضافة أكبر للعملاء. وتتضمن أهم أسباب هذه التوجهات المتغيرة العولمة، والنزعة الاستهلاكية، والتكنولوجيا، والتغييرات التنظيمية الجديدة”.

وتحدث السيد/ سيتارامان عن توقعاته بشأن الاقتصاديات الإقليمية قائلاً: “تشكل دول مجلس التعاون الخليجي كيانًا اقتصاديًا واحدًا، وتعد من بين أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في مجال الصناعات الهيدروكربونية. وتتمتع اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة واحدة بتركيبة متشابهة من حيث الاقتصاد الكلي، كما أنها تتمتع بدرجة عالية من الانفتاح في سياسات الاستثمار والتجارة. وتمتلك هذه الدول رؤوس أموال كبيرة ومتنامية، وتتبنى سياسات للإصلاح والتحديث، كما تقوم بتطوير بناها التحتية بشكل متواصل. كما كانت اقتصاديات الخليج أكثر مرونة في صد الأزمة المالية وذلك نتيجة للتدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة والهيئات التنظيمية. ويعد معدل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في تلك البندان من أعلى المعدلات في العالم. ومن المتوقع أن تشهد اقتصاديات الخليج نموًا يتراوح بين 4% إلى 5% في عام 2012. كما تسجل اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي فوائض مالية كبيرة، وفوائض قابلة للاستثمار، وفائض في الحساب الجاري، ويرجع ذلك إلى صادرات تلك الدول من المنتجات الهيدروكربونية. وتعتمد موازنات كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان خلال عام 2012 على ارتفاع أسعار النفط وذلك بالمقارنة مع العام الماضي. ويأتي قطاع البنية التحتية في مقدمة القطاعات التي تحظى بالأولية في هاتين الموازنتين”.

أما بالنسبة لتوقعاته حول الاقتصاد القطري وأهم الفرص المتاحة في دولة قطر، قال السيد/ سيتارامان: “من المتوقع أن يتراجع نمو الاقتصاد القطري بشكل حاد خلال عام 2012 ليسجل نموًا بنسبة 5.1%، وذلك بالمقارنة مع نسبة النمو المتوقعة لعام 2011 وهي 15%، ويعود ذلك إلى تقلص برنامج التوسع في قطاع الغاز بالبلاد الذي يمتد إلى عقود طويلة مضت. وابتداءً من عام 2012، سوف يعتمد النمو بشكل كبير على اقتصاد الصناعات التي لا تعتمد على المنتجات الهيدروكربونية، وذلك تماشيًا مع استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر. ويعتمد تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لدولة قطر على رؤية قطر الوطنية 2030 والتي راعت دولة قطر فيها أيضًا التنمية البيئية كأحد الأعمدة الرئيسية في هذه الرؤية. وسوف تدعم هذه التنمية البيئية أيضًا أحد أهداف الألفية وهو “ضمان الاستدامة البيئية”. ومن المتوقع أن تزيد نسبة فائض الحساب الجاري في عامي 2011 و2012 عن 20% من إجمالي الناتج المحلي الاسمي. وسوف تسجل دولة قطر فائضًا ماليًا مضاعفًا في عام 2011 بنسبة 12.6%، ومن المتوقع أن تزيد هذه النسبة في عام 2012. ومن ناحية أخرى، فقد قررت بورصة قطر العام الماضي تمديد ساعات التداول للمستثمرين الدوليين، كما أنها تعتزم تقديم منتجات جديدة كالسندات. كما تم ربط بورصة قطر خلال عام 2011 مع شبكة البنية التحتية الآمنة للمعاملات المالية (SFTI)، وهي شبكة دولية تربط البنوك والمضاربين عبر العالم بأسواق المال في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ويُذكر أيضًا أن قيمة المشاريع الحالية التي يتم إنجازها على أرض دولة قطر تزيد عن 100 مليار دولار أمريكي”.

وقد سلط السيد/ سيتارامان الضوء على العلاقات الثنائية التي تجمع الولايات المتحدة الأمريكية بدول مجلس التعاون الخليجي، وقال: “هناك مجالات عديدة يمكن من خلالها تعزيز أواصر التعاون المشترك، مثل التجارة، والمال، والاستثمار. وقد زاد إجمالي حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكي من 71.1 مليار دولار أمريكي في عام 2010 إلى 89 مليار دولار أمريكي خلال عام 2011 (حتى شهر نوفمبر فقط). وترجع تلك الزيادة بشكل أساسي إلى الزيادة في الصادرات من كافة دول مجلس التعاون الخليجي والتي سجلت قفزة كبيرة في عام 2011 بالمقارنة مع عام 2010 نتيجة لارتفاع أسعار النفط. وتدرس الولايات المتحدة الأمريكية الدخول في اتفاقية للتعاون التجاري والاستثماري مع دول مجلس التعاون الخليجي ككل. وبالنسبة إلى التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة قطر، فمن المتوقع أن تزيد قيمة الاستثمارات الأمريكية في دولة قطر عن 8 مليار دولار أمريكي خلال عام 2012، وسوف تتركز الاستثمارات بشكل أساسي في قطاعي النفط والغاز. وفي شهر يونيو 2011، أعلنت الخطوط الجوية القطرية وشركة بوينج الأمريكية عن إبرام صفقة تقضي بحصول الخطوط الجوية القطرية على ست طائرات جديدة من طراز بوينج 777، وتبلغ قيمة الصفقة 1.7 مليار دولار أمريكي. وفي شهر أبريل 2011، وقعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية ودولة قطر مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجال الأمن الغذائي العالمي. هذا وقد استثمرت شركة شيفرون ما يزيد عن 20 مليون دولار أمريكي في البنية التحتية والأبحاث الخاصة بالطاقة الشمسية في حديقة العلوم والتكنولوجيا في الدوحة. كما وقعت كل من وزارة الطاقة الأمريكية وحديقة العلوم والتكنولوجيا القطرية مذكرة تفاهم في شهر أبريل 2011 لتشجيع التعاون في تنمية ونشر تقنيات الطاقة النظيفة والمستدامة. ومن ناحية أخرى، فقد أبدت الشركات الأمريكية اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية”.

كما تحدث السيد/ سيتارامان عن تقييمه لأداء الأسواق المالية، وقال في هذا السياق: “شهدت بداية عام 2012 ارتفاعًا في أسواق رأس المال العالمية نتيجة التفاؤل من النمو في الولايات المتحدة وألمانيا والصين. ولكن ما تزال الأسواق تترقب التطورات الخاصة بالأزمة اليونانية والتي لم يتم التوصل إلى حل لها بعد. كما أدى القرار الأخير للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالإبقاء على زيادة أسعار الفائدة حتى عام 2014 إلى إعطاء دفعة قوية للسلع الأولية، ولا سيما الذهب والفضة والقطاعات المرتبطة بتلك السلع. ويمكن للأسواق المالية في كل من الولايات المتحدة والاقتصاديات الناشئة توفير فرص ممتازة للاستثمارات طويلة الأجل. ومن ناحية أخرى، فقد انخفضت قيمة الدولار الأمريكي بعد أن كانت قد شهدت ارتفاعًا حتى نهاية عام 2011 وذلك بعد الإجراءات التي اتخذها البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ومن المتوقع أن تستمر التقلبات في أسواق العملة نتيجة للأزمة التي تهيمن على الاقتصاديات المتقدمة. كما تشهد عائدات السندات في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي ارتفاعًا نتيجة للأزمة الأوروبية، وتعتزم العديد من المؤسسات في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي القيام بإعادة تمويل أوراق الدين المستحقة، وهو ما يتيح فرصًا عظيمة للمستثمرين الدوليين في مجال السندات. كما تشير التقديرات إلى احتمال تحسن أسواق السندات الآسيوية وسوق العقارات الأمريكي خلال عام 2012”.

وفي ختام كلمته، قال السيد/ ر. سيتارامان: “إن الأزمة الحالية هي أزمة اجتماعية وليست أزمة مالية فقط، ويجب خلق تأثير إيجابي عن طريق تعزيز كرامة الإنسان والسعي نحو حوكمة عالمية تقوم على الأخلاق”.