تزايد مخاطر كساد الاقتصاد العالمي الاقتصاديات المالية عليها التحول إلى اقتصاديات حقيقية

Global Economy

عُقد منتدى الأعمال لدول الكومنولث 2011 في مدينة بيرث في أستراليا خلال الفترة بين 25 – 27 أكتوبر في مركز بورسوود للمؤتمرات. وقد شهد المنتدى حضور حشد كبير من المصرفيين والاقتصاديين العرب والأجانب، ولفيف من الخبراء من مختلف قطاعات الأعمال، بالإضافة إلى ممثلين عن عدد من الكيانات البارزة في قطاعات الأعمال. وقد جاء المنتدى هذا العام تحت عنوان “دول الكومنولث والدول المطلة على المحيطين الهندي والهادئ: شركاء في النمو العالمي”. وقد شارك السيد/ ر. سيتارامان، الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة، في جلسة نقاش على هامش المنتدى بعنوان “الابتكار والخدمات المالية” بتاريخ 26 أكتوبر 2011.

وفي حديثه خلال الجلسة، قام السيد/ ر. سيتارامان بتسليط الضوء على العوامل الرئيسية التي ساهمت في الابتكار في الخدمات المالية، فقال: “تشكل الثورة التكنولوجية بالإضافة إلى المتغيرات القانونية والتنظيمية والبيئة الاقتصادية أهم العوامل التي ساهمت في إدخال الابتكار على الخدمات المالية. فالتقنيات المتقدمة مكنّت ما يسمى بـ “المهندسين الماليين” من جمع المعلومات وتقييم المخاطر وتصميم المنتجات والخدمات الجديدة التي باستطاعتها تلبية المتطلبات والاحتياجات المالية لكل من الأفراد والمؤسسات بشكل أفضل. وقد أدى ذلك إلى المساهمة في توريق العديد من فئات القروض التي لم تكن أصولاً سائلة سابقاً. ومن العوامل التي دعمت هذا الابتكار أيضًا قلة القيود التنظيمية وعدم صرامة سياسات الحماية الاقتصادية”.

كما أوضح السيد/ ر. سيتارامان بالتفصيل كيف أن الابتكار تحول إلى سبب جذري في الأزمة العالمية الراهنة، فقال: “نتيجةّ لتزايد الابتكار في مجال الخدمات المالية، ظهرت نماذج أعمال جديدة لدى البنوك غيّرت من المفاهيم الاقتصادية الجوهرية الخاصة بالخدمات المصرفية إذ أن الأدوات المالية الجديدة أدت إلى إبعاد مخاطر الائتمان عن منشئي القروض. ومع ذلك، فقد ساهم هذا التوريق في تغيير طبيعة المخاطر، فقد أدى بشكل خاص إلى تحويل مخاطر الائتمان إلى مخاطر سيولة، ثم إلى مخاطر تمويل، وفي نهاية المطاف إلى مخاطر الملاءة”.

وقد تطرق السيد/ ر. سيتارامان إلى التأثير الذي تركته تلك الأزمة على البيئة الاقتصادية، وقال: “أصبح الغموض وعدم اليقين يسيطران على الأسواق فضلاً عن المخاطر التي بالإمكان تسعيرها. ونتيجة لتلك الظروف القائمة، ظهر اتجاهان: فأولاً أصبح من الصعب تسعير المخاطر والأصول وهو ما يعني توقف التداول؛ وثانياً بدأت البنوك في حشد السيولة بدلاً من توفير الأموال في سوق ما بين البنوك. ونتيجة لذلك نشأت فجوة كبيرة بين معدلات الفوائد المطبقة ما بين البنوك من جهة، وبين المعدلات التي تطبقها المصارف المركزية في تلك الأسواق من جهة أخرى”.

وبالنسبة إلى السيناريو السائد على مستوى الاقتصاد العالمي، تحدث السيد/ ر. سيتارامان قائلاً: “رأينا هذا العام كيف فقدت الولايات المتحدة الأمريكية تصنيفها الائتماني من الدرجة AAA كما شهدنا أيضاً كيف ساهم تضارب السياسات النقدية والمالية في الأزمة الأوروبية الحالية. وعلى الجانب الآخر نرى كيف تعاني الاقتصاديات الناشئة من الركود التضخمي. ولذلك فعلى الاقتصاديات المالية، ولا سيما مجموعة الدول الصناعية السبع، أن تضع ضوابط مالية للخروج من الأزمة، فالمشهد المالي العالمي الآن ينذر بتعرض الاقتصاد العالمي لمخاطر الكساد”.

وأشار السيد/ سيتارامان إلى أن الهيكل المالي العالمي يخضع للتغيير في الوقت الحالي، وسلط سيادته الضوء على الإصلاحات التنظيمية العالمية الجاري تطبيقها حاليًا، وقال في هذا الصدد: “يؤسس قانون “دود-فرانك” لإطار عمل جديد للإشراف التنظيمي والرقابي على سوق المشتقات المالية التي يتم تداولها خارج نطاق البورصات والتي تقدر قيمتها بنحو 600 تريليون دولار أمريكي. ويقضي قانون “دود-فرانك” بتقاسم كل من هيئة تنظيم المتاجرة في السلع الآجلة وهيئة الأوراق المالية والبورصات السلطة التنظيمية والإشرافية على سوق المشتقات المالية التي يتم تداولها خارج نطاق البورصات. كما أن لوائح بازل 3 الجديدة ستعمل على زيادة متطلبات السيولة وكفاية رأس المال لدى البنوك”.

كما تطرق السيد/ سيتارامان إلى توجهات إدارة الثروة في قارة آسيا، وقال: “زادت الثروة العالمية إلى 231 تريليون دولار أمريكي بحلول منتصف عام 2011 بعد أن كانت قد وصلت إلى 195 تريليون دولار أمريكي خلال عام 2010. وترجع تلك الزيادة بشكل أساسي إلى نمو الثروة في كل من جنوب أفريقيا، والهند، وأستراليا، وشيلي، وسنغافورة. ومن المحتمل أن يزيد إجمالي الثروة العالمية في عام 2016 بنسبة 50% ليصل إلى 345 تريليون دولار أمريكي، أي بزيادة بنسبة 8.4% كل عام، وذلك نتيجة للنمو القوي المتوقع في الاقتصاديات الناشئة وتضاعف إجمالي الثروة العامة في الصين. فمن المتوقع أن تحل الصين محل اليابان كثاني أغنى دولة في العالم بثروة إجمالية تقدر بنحو 39 تريليون دولار أمريكي في عام 2016 مقارنة بما قيمته 31 تريليون دولار أمريكي لليابان”.

كما ألقي السيد/ سيتارامان الضوء على الفرص المتاحة والتحديات التي تواجه إدارة الثروة في قارة آسيا، وقال: “خصص معظم الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ النصيب الأكبر من استثماراتهم لقطاع العقارات السكنية. ومن المتوقع أن تظل دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، باستثناء اليابان، محرك نمو الاقتصاد العالمي خلال عامي 2011 و2012، إلا أنه من المرجح أن يؤدي تزايد القيود على القدرات الاستيعابية إلى تباطؤ معدلات هذا النمو. فالإجراءات التي تتخذها حكومات هذه المنطقة لكبح جماح التضخم، والتحكُّم في معدلات تدفق رؤوس الأموال الأجنبية عليها، والحد من التأثيرات المحتملة في أسعار أصولها الاستثمارية، سوف تؤثر بالتأكيد في وتيرة نموها الاقتصادي. كما أن الشركات في المنطقة تواجه مجموعة من التطورات التنظيمية المحلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن المبادرات التنظيمية العالمية تضيف مزيدًا من الشك والغموض وزيادة في التكاليف. كما باتت متطلبات وتوقعات المستثمرين غير محدودة، وصارت العديد من الشركات تكافح لزيادة إيراداتها”.

وفي كلماته الختامية، قال السيد/ سيتارامان: “هناك تزايد في المخاطر التي تهدد بكساد الاقتصاد العالمي، وعلى الاقتصاديات المالية أن تتحول إلى اقتصاديات حقيقية”.