ضرورة حوكمة السياسة والاقتصاد لتحقيق نموِ عالميِ مستدام

ضرورة حوكمة السياسة والاقتصاد لتحقيق نموِ عالميِ مستدام

استضاف بنك الدوحة جلسة لتبادل المعرفة بعنوان “الاقتصاد العالمي المتغيّر والأثر المترتب على زخم النمو” في قاعة الاجتماعات الكائنة في مقّره الرئيسي يوم 25 نوفمبر 2018. وقد استهل الدكتور ر. سيتارامان الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة الجلسة بإلقاء كلمة قدّم فيها نبذة عن الموضوع. وقد حضر الجلسة الدكتورة سايوري شيراي، أستاذ في جامعة كيئو في اليابان وعضو سابق في مجلس السياسات ببنك اليابان المركزي. كما شرّف الجلسة معالي السيد رانجان ماثاي وزير الخارجية السابق في الحكومة الهندية بالإضافة إلى لفيف من الدبلوماسيين وكبار الشخصيات القطرية المرموقة ومسؤولي الشركات المحلية.

وفي معرض حديثه عن نمو الاقتصاد العالمي والتحديات التي تواجهه، قال الدكتور ر. سيتارامان: “يُشيرُ صندوق النقد الدولي في تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية الصادر في أكتوبر 2018 بأن النمو العالمي خلال عامي 2018 و2019 سيبلغ 3.7% وسيستمر هذا النمو خلال عام 2019. فما زال النمو في الولايات المتحدة الأمريكية محافظاً على زخمه بفضل استمرار زيادة المحفّزات المالية وبالرغم من تخفيض توقعات النمو لعام 2019 على خلفية اتخاذ بعض الإجراءات التجارية التي تشمل فرض رسوم على واردات الولايات المتحدة الأمريكية من الصين التي تقدّر بحوالي 200 مليار دولار أمريكي. من جهة أخرى، خُفّضت توقعات النمو لمنطقة اليورو والمملكة المتحدة عقب المفاجآت التي أدت إلى لجم النشاط الاقتصادي في مطلع عام 2018”. وفيما يتعلق بالاقتصاد القطري، قال الدكتور ر. سيتارامان: “وفقاً إلى توقعات صندوق النقد الدولي سينمو الاقتصاد القطري بنسبة 2.7% في عام 2018 وبنسبة 2.8% في عام 2019، بينما تشير توقعات تقرير أبريل 2018 إلى نمو بنسبة 2.6% لعام 2018 وبنسبة 2.7% لعام 2019، أي أن صندوق النقد الدولي رفع من توقعاته بخصوص نمو الاقتصاد القطري”.

ووفقًا لبيان خبراء صندوق النقد الدولي، لا يحتاج النظام المصرفي في قطر إلى مزيد من الدعم من مصرف قطر المركزي وصندوق الثروة السيادية نظراً لانحسار موجة الهبوط التي طرأت على ودائع غير المقيمين لدى البنوك. وأشار الصندوق إلى أن إطار العمل التنظيمي القوي والإشراف الفعال ساعد على ضمان قدرة النظام المالي على الصمود. ويعمل مصرف قطر المركزي على تقوية إشرافه على القطاع المالي بهدف الرصد الفعال لأي ضغوط ناشئة، بما فيها تلك المتعلقة بالسيولة، وقطاع العقارات، وأثر تطبيع السياسة النقدية الأمريكية، والأزمة الخليجية الراهنة. وتخطط قطر لزيادة طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنويًا إلى 110 مليون طن سنويًا.

Global Economics

Global Economics

Global Economics

من جانبها، سلطت الدكتورة/ سايوري شيراي الضوء على الاقتصاد الياباني، حيث قالت إن الحكومة اليابانية بذلك جهودًا في مجال التصنيع في الخمسينيات من القرن الماضي من خلال إنشاء بنك الاستيراد والتصدير الياباني، وخفض الضرائب المفروضة على الشركات، وتوفير الدعم اللازم لعمليات البحث والتطوير، وتبني آلية لإدارة وتخصيص العملات الأجنبية. ومن هنا تحوّل الاقتصاد الياباني من اقتصاد يعاني من عجز في الميزان التجاري إلى اقتصاد يتمتع بفائض في الميزان التجاري بحلول الستينات من القرن الماضي. ويعتبر الاقتصاد الياباني اليوم ثالث أكبر اقتصاد في العالم من حيث الحجم، حيث يتجاوز إجمالي الناتج المحلي 5 تريليون دولار أمريكي، ويصل متوسط نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي إلى 40 ألف دولار أمريكي، كما تعدّ اليابان من أكبر الدائنين الدوليين. وكان معدل المدخرات الوطنية قد انخفض في الفترة بين 2009 و2013 إلا أنه ارتفع بعد ذلك كنسبة من إجمالي الناتج المحلي الكلي. وتمكّن الاقتصاد الياباني من تحقيق فائض مستمر في ميزان الحساب الجاري منذ العام 2000. كما تحوّلت اليابان إلى اقتصاد استثماري منذ العام 2006. وبلغ إجمالي الأصول الأجنبية 3 تريليون دولار أمريكي أو 64% من إجمالي الناتج المحلي، وهي النسبة الأكبر في هذا الجانب بين اقتصاديات العالم. ويأتي 33% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، و27% من آسيا، و27% من أوروبا، و10% من الصين وهونغ كونغ، و5% من أستراليا، و7% من أمريكا اللاتينية. وتتمثل أهم التحديات التي تواجهها اليابان اليوم في التحوّل من اقتصاد قائم على التصدير إلى اقتصاد قائم على الاستثمار، والزيادة في نسبة الشيخوخة في المجتمع، ونقص العمالة، والحدّ من نمو إنتاجية العمالة بسبب التحوّل من التصنيع إلى الخدمات.

من جهته، تحدث سعادة السيد رانجان ماثاي عن أبرز التحديات الدولية والمنافسات الجيوسياسية، وتطرق إلى انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورفض الصين للقرار الذي أصدرته محكمة التحكيم الدولية بشأن بحر الصين الجنوبي، والتدخل الروسي في الشأن السوري.

وأضاف قائلاً بأن حالة من عدم اليقين أصبحت تسود المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بعد مجيء الإدارة الأمريكية الحالية إلى السلطة، وبات واضحاً الآن بأن شعار “أمريكا أولاً” لا يعني الانسحاب أو العُزلة، بل إعادة صياغة للالتزامات الدولية وتقييم مدى النفع الذي ستعود به بعض العلاقات الدولية على الولايات المتحدة سواء اقتصادياً أو من خلال مساعدتها على الاحتفاظ بمركزها كقوة مهيمنة. ولطالما كان للرئيس ترامب أفكارًا وآراءً ذات نزعة قومية كما يتضح من توجهاته والقضايا التي يدعمها منذ زمن طويل، إلا أن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أقوى دولة في العالم وأكثرها ازدهاراً. وتمكّن الرئيس ترامب من تعديل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) وإخراج الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ ويسعى حالياً لإعادة تشكيل منظمة التجارة العالمية.

وتعتبر الفرصة سانحة أمام الصين الآن للقيام بدور عالمي أكثر نشاطاً إلا أن هناك العديد من المعوقات التي قد تحدّ من حدوث ذلك كإخفاق المحادثات الخاصة بالشراكات الاقتصادية الإقليمية الشاملة. وهناك العديد من الدول في آسيا، بما فيها اليابان والهند، التي تستمر في تعاونها الاقتصادي مع الصين إلا أنها تسعى في الوقت ذاته إلى حماية مصالحها. وتعتبر اليابان القطب الرئيسي الآخر في شرق آسيا، وفي حال نجحت خطط رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بشأن تبني سياسة دفاعية أكثر نشاطاً، فإن ذلك من شأنه أن يغيّر من الدور الذي تقوم به اليابان عالمياً بشكل جذري. كما لدى آبي الفرصة الآن لتحويل اتفاق الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ إلى مجموعة إقليمية مستقلة بشكل تام عن الولايات المتحدة وربما الصين أيضاً.

من ناحية أخرى، فإن روسيا عازمة تحت قيادة بوتين على العودة من جديد إلى دورها المؤثر في المشهد العالمي، ويبدو بأن لا مشكلة لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه هذا الأمر لا بل يسعى إلى التوصّل لتفاهم مع روسيا يؤدي ربما إلى إنشاء تحالف ثلاثي يهدف إلى إضعاف النفوذ الصيني، لكنه يواجه مقاومة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية لإقامة هذا الاجتماع.

بدورها تبدو أوروبا نفسها في حالة من الارتباك، فبالرغم من تحملها لأزمة المهاجرين خلال عامي 2015/2016 إلا أنها لم تتعافى من تراجع الزخم الاقتصادي الناتج عن الأزمة الاقتصادية عام 2008، خاصة فيما يتعلق بتوظيف الشباب مما تسبب في تباطؤ العمل على “اتحاد أمتن من ذي قبل”. وأما منطقة غرب آسيا والشرق الأوسط فقد كانتا تقليدياً ساحة للتنافس بين القوى الكبرى وهو ما جعلها في حالة دائمة من عدم الاستقرار. فمنذ عام 1991 تُعزى الكثير من الأزمات التي تعيشها هذه المنطقة إلى مواجهتها صعوبات سياسية نابعة من بروز الإسلام السياسي واحتدام الصراع بين القوة الكبرى للسيطرة على مواردها وطرقها التجارية. وبالتالي تقوم ديناميكيات السياسة الخارجية في هذه المنطقة على الدخول بالأحلاف التي تتصارع للهيمنة والسيطرة على اتجاهات تدفق الطاقة.

تُمثّل منطقة جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا على وجه الخصوص أقطاب النمو في العالم مستقبلا في حال نجحت بإدارة سياساتها. وستصبح الموارد المعدنية الأفريقية، ذات الأهمية الكبيرة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الأخضر، هدفاً لمنافسة عالمية جديدة.

سيتمخض عن مرحلة تبني النزعة الوطنية في السياسات الخارجية فائزين وخاسرين لكنها في نفس الوقت لن تقلّص المخاطر المنضوية على المدى الضخم للتسلّح العالمي. لذا، يتعين أن تدعم السياسات الخارجية المؤسسات المتعددة الأطراف التي تعمل على تخفيف حدة التنافس والخلاف، وتهدف إلى إنشاء نظام عالمي تحكمه القواعد.