إعادة صياغة نموذج الأعمال المصرفية في ضوء التحوّل إلى إعادة التنظيم بدل التحرر من الضوابط

European University

احتفلت الجامعة الأوروبية في الأسبوع الماضي بمرور أربعين عاماً على إدخال الاختصاصات التعليمية المتنوعة في مجال الأعمال. وقد شارك في حفل الاستقبال الذي عقد بمركز المؤتمرات الدولي في برشلونة الدكتور/ ر. سيتارامان، الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة، بصفته المتحدث الرئيسي بهذه المناسبة.

وفي معرض حديثه عن الكيفية التي أثرت بها الأزمة العالمية الحالية على الاقتصاديات العالمية وعلى حياة البشر، قال: “لا تعتبر هذه الأزمة مالية فحسب، فهي اجتماعية أيضاً. فقد أدى الابتكار في القطاع المالي إلى ظهور نماذج أعمال جديدة للبنوك ساهمت في تغيير علم الاقتصاد الضمني للخدمات المصرفية فجعلها أدوات مالية جديدة مكّنت عزل مخاطر الائتمان عن منشئ القروض. كما ساهم التوريق في تغيير طبيعة المخاطر، وبالتحديد تحويل مخاطر الائتمان إلى مخاطر سيولة، وبعد ذلك إلى مخاطر التمويل، وفي نهاية المطاف إلى مخاطر الملاءة”.

ومن ناحية أخرى تطرّق الدكتور/ ر. سيتارامان إلى الأسباب الرئيسية التي تسببت في الأزمة والنواحي التي تسترعي الانتباه على المستوى التنظيمي ومستوى سياسات الاقتصاد الكلي، فقال: “وقفت الجهات التنظيمية المالية مكتوفة الأيدي أمام تزايد التركزات المالية والحوافز النقدية المعيبة نتيجة الازدهار في مجال الابتكار المالي. ولم تتمكن ضوابط السوق واللوائح التنظيمية من احتواء المخاطر الناجمة عن الابتكار السريع وزيادة الرافعة المالية. فقد أخفق صناع السياسات في مراعاة تزايد الاختلالات في الاقتصاد الكلي التي أسهمت في تراكم المخاطر المنهجية في النظام المالي وأسواق الإسكان. وقد انشغلت الجهات الإشرافية المالية بالقطاع المصرفي الرسمي دون التركيز على المخاطر المتراكمة في نظام الظل المالي. هذا وتتمثل النواحي التي تسترعي الانتباه على المستوى التنظيمي في نطاق الضوابط، وانضباط السوق، والفجوات المعلوماتية، ومخصصات السيولة المنهجية. بينما تتمثل النواحي الرئيسية التي تسترعي الانتباه على مستوى سياسات الاقتصاد الكلي في استجابة السياسة النقدية إلى المخاطر المنهجية، والسياسات المالية القوية، وتنظيم تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، وضبط السياسات المالية والنقدية. وتعتبر أزمة اليورو اليوم مثال واضح على الصراع بين السياسات النقدية والمالية”.

وقد استعرض الدكتور ر. سيتارامان رؤيته بشأن التطورات الحالية التي تشهدها الأسواق المالية قائلاً:”اتخذت اليابان مؤخرا تدابير تخفيفية لتعزيز شراء السندات الحكومية اليابانية طويلة الأجل. وقد أسفرت هذه الخطوة عن اقتراب سعر صرف الدولار الأمريكي من مستوي 100 ين ياباني. وقد صرح صندوق النقد الدولي بأن النمو الاقتصادي العالمي لهذا العام سيتراجع إلى نسبة 3.3% مقابل 3.5% عن العام الماضي. ويتوقع أن ينخفض النمو الاقتصادي الأمريكي من 1.9% مقابل 2.1 % عن العام الماضي. كما يتوقع أن ينكمش اقتصاد دول الاتحاد الأوربي السبعة عشر بنسبة 0.3 % في عام 2013. هذا وقد نجم عن تباطؤ تعافي الاقتصادي العالمي وزيادة إنتاج الطاقة في الولايات المتحدة وتباطؤ النمو في الصين المزيد من الضغوط على أسعار النفط في الآونة الأخيرة. وتراجعت أسعار الذهب بسبب ما أفصحت عنه التقارير عن إمكانية بيع قبرص كميات كبيرة من الذهب. وقد انخفضت أسعار الذهب والمعادن الصناعية الأخرى بعد أن أعلنت الصين تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل غير متوقع في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام “.

كما تناول الدكتور/ ر. سيتارامان الإصلاحات التنظيمية في ظل الأزمة المالية قائلاً: “تمت مراجعة الإصلاحات التنظيمية العالمية (التي أُقِرّت في أعقاب الأزمة) بقيادة مجموعة الدول العشرين وبالتعاون مع مجلس الاستقرار المالي، وصندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية. وقد طبّق قانون إصلاح وول ستريت (المعروف بقانون “دود-فرانك”) وقانون حماية المستهلك في الولايات المتحدة الأمريكية الإصلاحات التنظيمية في أعقاب الأزمة. وبموجب التشريعات الجديدة، سُنّ قانون “فولكر” للحد من التداول بالممتلكات. فيما اقترحت أيضاً “لجنة الأوراق المالية والبورصات” قواعد إفصاح أكثر صرامةً لصناديق التحوط وشركات الأسهم الخاصة. ويعمل كل من مجلس الاستقرار المالي وصندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية على أطر عمل السياسات الكلية التحوطية بما في ذلك أدوات للتخفيف من تأثير تدفقات رأس المال الكبيرة. وتعد إطار السياسة للمؤسسات المالية الهامة والتنظيم والأشراف على أنظمة الظل المصرفي، وممارسات المخاطر على المنتجات المهيكلة، بعضاً من النواحي التي تتطلب مراجعة في ظل الأزمة الراهنة. ومن المقرر أيضاً تطبيق اتفاقية بازل (3). وسيتم إعادة صياغة نموذج الأعمال المصرفية بسبب التحول إلى إعادة التنظيم بدلاً من التحرر من الضوابط والقيود التنظيمية”.

وفي الختام أكد الدكتور ر.سيتارامان على الإصلاحات الرئيسية التي من شأنها أن تؤثر على الصناعة المصرفية قائلاً: ” جلبت اتفاقية بازل (3) العديد من الإصلاحات التي تهدف إلى زيادة جودة وحجم رأس المال وتقييد الرافعة المالية، وتحسين مخاطر الائتمان للأطراف المقابلة، والاحتفاظ ﺑرأس ﻣﺎل إضافي وزيادة كمية ونوعية الموجودات السائلة وامتلاك محافظ تمويل جيدة لدى البنوك. وقد أسس قانون إصلاح وول ستريت وقانون حماية المستهلك في الولايات المتحدة الأمريكية وكالة جديدة تعنى بحماية مصالح المستهلكين. وطبقت الإجراءات التنظيمية في قطاع الخدمات المصرفية للأفراد ومحفظة الاستثمار في البنوك في أعقاب الأزمة المالية. وتتضمن الإصلاحات الحالية التي يجري تطبيقها في القطاع المصرفي العمل على دعم، ومراقبة، وتنظيم نظام الظل المصرفي العالمي وتأسيس مؤسسات مالية مرنة والحد من انهيار المؤسسات الكبيرة.